أبو البركات بن الأنباري
30
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين
ويكون في النصب كذلك ، وهكذا جعل الواو والياء في الجمع رفعا وجرا ونصبا ، والرفع والجر والنصب لا يكون إلا إعرابا ؛ فدلّ على أنها إعراب . قالوا : ولا يجوز أن يقال « إن هذا يؤدي إلى أن يكون معربا لا حرف إعراب له وهذا لا نظير له ، وذلك لا يجوز » لأنا نقول هنا : إنما لا يجوز فيما يكون إعرابه بالحركة لا بالحرف ؛ لأن الحركة تدخل في الحرف ، بخلاف ما إذا كان معربا بالحرف ، لأن [ 14 ] الحرف لا يدخل في الحرف ، والذي يدل على ذلك الخمسة الأمثلة - وهي : يفعلان ، وتفعلان ، ويفعلون ، وتفعلون ، وتفعلين يا امرأة - فإنها لما كانت معربة بالحرف لم يكن لها حرف إعراب ، ألا ترى أن النون علامة الرفع كالضمة في تضرب ؟ وإذا جاز أن تكون هذه الخمسة الأمثلة معربة ولا حرف إعراب لها لأن إعرابها بالحرف فكذلك هاهنا يجوز أن يكون الاسم في التثنية والجمع معربا ولا حرف إعراب له ؛ لأن إعرابه بالحرف . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إنها حروف إعراب وليست بإعراب لأن هذه الحروف إنما زيدت للدلالة على التثنية والجمع ؟ ألا ترى أن الواحد يدل على مفرد ؛ فإذا زيدت هذه الحروف دلت على التثنية والجمع ؟ فلما زيدت بمعنى التثنية والجمع صارت من تمام صيغة الكلمة التي وضعت لذلك المعنى ؛ فصارت بمنزلة التاء في قائمة والألف في حبلى ، وكما أن التاء والألف حرفا إعراب فكذلك هذه الحروف هاهنا . وأما من ذهب إلى أنها ليست بإعراب ولا حروف إعراب ولكنها تدل على الإعراب فقال : لأنها لو كانت إعرابا لما اختلّ معنى الكلمة بإسقاطها كإسقاط الضمة من دال زيد في قولك « قام زيد » وما أشبه ذلك ، ولو أنها حروف إعراب كالدال من « زيد » لما كان فيها دلالة على الإعراب ، كما لو قلت « قام زيد » من غير حركة ، وهي تدل على الإعراب ؛ لأنك إذا قلت « رجلان » علم أنه رفع ؛ فدل على أنها ليست بإعراب ولا حروف إعراب ، ولكنها تدل على الإعراب . وهذا القول فاسد ، وذلك لأن قولهم « إن هذه الحروف تدل على الإعراب لا يخلو : إما أن تدل على إعراب في الكلمة ، أو في غيرها ؛ فإن كانت تدل على إعراب في الكلمة فوجب أن تقدر في هذه الحروف ، لأنها أواخر الكلمة ، فيؤول هذا القول إلى أنها حروف الإعراب كقول أكثر البصريين ، وإن كانت تدل على إعراب في غير الكلمة فوجب أن تكون الكلمة مبنيّة ، وليس من مذهب أبي الحسن الأخفش وأبي العباس المبرد وأبي عثمان المازني أن التثنية والجمع مبنيّان .